عبد الوهاب بنعلي

اختتمت الندوة العلمية الوطنية التي نظمها المجلس العلمي المحلي لإقليم الناظور، والمندوبية الإقليمية للشؤون الإسلامية بالناظور، بشراكة مع “ماستر الدراسات القرآنية بالغرب الإسلامي قضايا ومناهج”، ومركز العربي الورياشي للدراسات والأبحاث العقدية والفقهية والسلوكية، ندوة في موضوع: “الفتوى والإفتاء بالريف الشرقي المغربي تأصيلا وتطبيقا”، اختتمت يوم أمس 5 ربيع الثاني 1439/ 24 دجنبر 2017 بنشاط علمي وازن بمناسبة افتتاح المركب الثقافي والإداري لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بجوار المسجد الكبير بالناظور الجديد.

انطلق النشاط بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، ثم تفضل بعدها السيد رئيس المجلس العلمي المحلي لإقليم الناظور الأستاذ ميمون بريسول بإلقاء كلمة افتتاحية رحب من خلالها برؤساء المجالس العلمية لجهة الشرق وكل الحضور الغفير الذي حج إلى هذا العرس العلمي، كما أثنى فيها على المجهودات القيمة التي يقوم بها رئيس المجلس العلمي لوجدة الدكتور مصطفى بنحمزة في سبيل النهوض بمعاهد تحفيظ القرآن الكريم وتدريس العلوم الشرعية بالجهة الشرقية، وأكد على انخراط المجلس العلمي للناظور ومندوبية الشؤون الإسلامية بالإقليم منذ سنوات في الاهتمام بطلبة العلم والعلماء في هذه الربوع المباركة.

وبعد الكلمة الافتتاحية للأستاذ ميمون بريسول، أطر الدكتور مصطفى بنحمزة، رئيس المجلس العلمي المحلي لوجدة وعضو المجلس العلمي الأعلى، محاضرة توجيهية حول موضوع “الإفتاء والتحديات المعاصرة”، شدّد في بدايتها على ضرورة فهم الواقع حتى نكون كيانا واحدا، لأن الآخر يتوحد ويتقوّى ونحن نتفكّك ونتشتّت – حسب تعبيره-.

وأشار العلامة بنحمزة في تعليقه على ما يجري في هذه الظرفية الحرجة إلى تصريح الرئيس الأمريكي “ترامب” بشأن القدس، مؤكدا أن باعثه ديني، وبسبب هذا الباعث الديني يناصرون ((إسرائيل)) ويستعدون لظهور “المسيح المخلص”، وخوض “معركة هرمجدون” للقضاء على المسلمين.

وفي سياق حديثه عن أهمية الفتوى أكّد الدكتور بنحمزة أن الإفتاء وظيفة دينية راسخة ومن وظائف النبي صلى الله عليه وسلم، ومن زعم غير ذلك فهو جاهل لا يعتد بقوله. وتوخّى من خلال هذه المحاضرة إرسال مجموعة من الرسائل الواضحة والإجابة عن مجموعة من الأسئلة الشائكة التي تثيرها بعض “المنظمات الحقوقية” بين الفينة والأخرى بغرض التشكيك في الثوابت، وفي محاولة يائسة منها للتأثير على الرأي العام حتى تسعى إلى تغيير بعض القوانين التي تستمد فلسفتها من التشريع الإسلامي، ومن القضايا التي أثارها علاّمة الشرق المغربي قضية الميراث، مؤكدا – في هذا السياق – أن الناس قد يقبلون الأفكار المجنّحة ولكن لا يقبلون أن تذهب أموالهم، لذلك لا ينبغي اللعب بأموال الناس، وفي رسالة مباشرة إلى الحقوقيين الذين يتحدثون عن تغيير قسمة الميراث قال الدكتور بنحمزة: ” هذه قسمة الله ولا شأن لكم في قسمة الله “، وفي الصدد نفسه أشار المحاضر إلى أن الأنظمة الشيوعية لم تسقط إلا بعد أن أخذت أموال الناس وصادرت حقوق الملكية، ووفق تعبيره، فإن قسمة المال هي التي تحدّد قيام النظم وسقوطها.

وفي سياق ذي صلة أكد عضو المجلس العلمي الأعلى أن الإسلام اهتم باللقطاء كثيرا، لكن ذلك لا يعني أن ننساق وراء ما يطلق عليه “البنوة البيولوجية” أو غير ذلك؛ ونعطي للولد شهادة “ولد الحرام”، لأن الطريق الوحيد للبنوة الشرعية هو الفراش “فالولد للفراش” وهو الولد الذي تستمر به الأسرة، أما ما يسمى بالابن البيولوجي – يضيف الدكتور بنحمزة – فلا يمكن أن يصبح وارثا شرعيا، بل ويصير في أقوى مراتب الإرث (البنوة) فيحرم الإخوة، ويحجب الجد، ويأخذ من حق البنت… وفي كل ذلك ظلم كبير لذوي الحقوق.

وفي توجيه للمنظمات الحقوقية التي تهتم بهذه القضايا قال رئيس المجلس العلمي لوجدة: لا تزال هناك قبائل لا تورث المرأة، وهناك في عصرنا عائلات تخير المرأة بين زوجها وأخيها أثناء مطالبتها بحقها في الإرث ، كما أن النساء السودانيات لا يرثن لحد اليوم، لذلك ينبغي أن نتحدث عن هذا النموذج وندافع عن هذه الحالات التي تستحق الدفاع، لا أن يتم التركيز على حكم الشريعة، فحكم الشريعة عادل لأن الله هو الذي يفتي في الكلالة والكلالة من الإرث والإرث يختص به الله، لذلك لا ينبغي الاقتراب من أموال الناس.
وفي تعقيبه عن بعض الفتاوى الشاذة، ردّ العلامة بنحمزة الشبهة التي أثارتها “فتوى طائشة” ذهب صاحبها إلى جواز مضاجعة جثة الزوجة، مؤكدا في هذا الصدد، أن الموت يلغي الحياة الزوجية إلا في حدود التغسيل، لذلك لا يجوز أن نقول بأن الشخص له الحق في مضاجعة زوجته وهي ميتة؛ فالموت ينهي كل شيء – حسب تعبير المحاضر-.

ولم يفت الدكتور مصطفى بنحمزة أن يذكّر بما أسماه بـ “تغييب الفتوى” غير المبرّر الذي تلتجئ إليه المنابر الإعلامية في كثير من المرات، حيث لا تسمح للعلماء الحقيقيين بالظهور للإجابة عن أسئلة العصر، وفي تصحيح لبعض المفاهيم المتداولة إعلاميا شدّد الدكتور بنحمزة على ضرورة اعتبار الفتوى “حكم الإسلام” وليست “رأي الإسلام”، فالرأي – حسبه – عند من لا يتحدث بالقرآن والسنة، أما الفتوى فلها حرمتها ومكانتها لأنها هي التي توجّه الناس التوجيه السليم.

وفي معرض ذبّه عن المذهب المالكي، خصوصا بعد النقاش الذي رافق تطبيق بعض بنود مدونة الأسرة ردّ العلامة بنحمزة على القائلين بأن الإمام مالك له تناقض في قضية “الولاية”، واصفا من قال بذلك بأنه إنسان “لم يصل بعد إلى مرتبة الجهل أما العلم فبعيد عنه كل البعد”، لأن مالكا رحمه الله أخذ بـ “مراعاة الخلاف”، وهو من أصوله، وذلك للمصلحة الراجحة، فإن لم يأخذ بالمذهب فقد أخذ بلازم المذهب.

وفيما يتعلّق بالجالية المغربية المقيمة بالخارج فقد أكد الدكتور مصطفى بنحمزة أن حوالي 37000 مغربي مرجح أن يطردوا من فرنسا، لذلك لا ينبغي أن نصعّب مأمورية الجالية أكثر بفتاوى متشدّدة ونحن في حالة ضعف في الوقت الراهن مادامت لنا مخارج في فقهنا وفتاوى مرنة في مذهبنا، مشدّدا في هذا الصدد على ضرورة تعلّم اللغات الأجنبية ومساعدة طلبة العلوم الشرعية على اكتسابها حتى نكون سببا في الحل لا سببا في التوتر.

وفي ختام محاضرته التي تفاعل معها الحضور الكثيف الذي حجّ إلى قاعة المحاضرات التابعة لمقر المجلس العلمي الجديد عاد العلاّمة مصطفى بنحمزة ليؤكد على أهمية الفتوى، مشدّدا على أنها “صناعة”، لذلك لابد من النظر في أصول الاستنباط، والاهتمام بأصول الفقه لأنه أفضل ما أنتجته الأمة الإسلامية -وفق تعبيره-، ولابد من الأخذ بمبدأ سد الذرائع في الحدود الشرعية حتى لا نسقط في تحريم ما أحل الله وتضييق ما وسّعه سبحانه، مشيرا في السياق ذاته إلى قضية منع المرأة من قيادة السيارة في “السعودية” لعقود أخذا بفتاوى نسجت وفق قاعدة “سد الذرائع”، قبل التراجع عن ذلك أخيرا في محاولة منهم لتدارك الموقف. قبل أن ينهي الدكتور بنحمزة كلمته التوجيهية القيمة برسالة شديدة اللهجة إلى الذين يفتون بغير علم قائلا: “كفّوا السنتكم وابتعدوا عن الفتوى”.

وجدير بالذكر أن هذا النشاط القيم شهد في ختامه توزيع الشواهد التحفيزية وبعض الهدايا والجوائز القيمة على مجموعة من الحافظات للقرآن الكريم وبعض متفوقي التعليم العتيق في الامتحانات الإشهادية لموسم (1437-1438هـ/ 2016-2017م). وقد تبرّع لفائدة هؤلاء الطلبة المتميزين رئيس المجلس العلمي لوجدة الدكتور مصطفى بنحمزة بمبلغ مائة ألف درهم (100000درهم) توزع بينهم كتحفيز لهم على الاجتهاد ومواصلة طلب العلم الشرعي. كما تم تكريم محفظة مركز مسجد بدر بحاسي بركان بعمرة كاملة الى الديار المقدسة من تكرم أحد المحسنين على يد السيد رئيس المجلس العلمي المحلي لإقليم الناظور. وفاز بالقرعة بتذكرة للعمرة كل من المحفظة حبيبة قيشوح من مدرسة الامام مالك بالناظور والمحفظ بمركز مسجد بنعزة باولاد ستوت السيد الشلهبي والتي تكرم بها السيد رئيس المجلس العلمي المحلي لبركان . وإلى جانب تكريم اللجنة العلمية المشرفة على تحكيم البحوث التي تقدّم بها بعض الباحثين لنيل جائزة أحسن بحث عن “الفتوى والافتاء بالريف الشرقي”، والتي أطلقها وأشرف عليها المجلس العلمي للناظور في وقت سابق، اختتمت فقرة تقديم الجوائز بتكريم الباحثين الذين حازوا على المراتب الثلاث الأولى، حيث تسلّم صاحب المرتبة الثالثة ظرفا ماليا بقيمة (2500 درهم)، وفاز صاحب المرتبة الثانية بمبلغ (5000 درهم)، فيما عادت الجائزة الأولى للأستاذ عبد الحكيم خلفي الذي حظي بتذكرة العمرة.ولا بد أن نشير إلى أن هذا التتويج المتميز سبقته ندوة علمية بقاعة العروض بمدرسة الامام مالك للتعليم العتيق استمرت من الساعة الثانية بعد الزوال من يوم السبت 23 دجنبر الجاري إلى ما بعد صلاة المغرب ، أطرها الأساتذة الباحثون المشاركون في مسابقة – الفتوى والإفتاء بالريف الشرقي – التي أطلقها المجلس العلمي كنسخة ثانية عام 2017 مع السيد رئيس المجلس العلمي بالناظور وعميد الكلية المتعددة التخصصات بسلوان ، تناول فيها الباحثون قضايا مهمة تتعلق بتعريف القتوى وأهدافها وما تميزها عن الحكم القضائي مع إعطاء نماذج منها منا الريف الشرقي .
واختتم هذا اللقاء المتميز بتلاوة برقية ولاء وإخلاص مرفوعة إلى السدة العالية بالله أمير المومنين جلالة الملك محمد السادس أعزه الله ثم بدعاء الختم الصالح .

وللإشارة فإن المجلس العلمي تكرم على كل الحاضرين بوجبة غداء .